في سياق يتسم بتصاعد النقاش حول قضايا الحكامة وتضارب المصالح، تكشف دراسة حديثة أنجزها الباحث عبد الله أموش لفائدة المعهد المغربي لتحليل السياسات عن دينامية لافتة داخل البرلمان المغربي :
- معارضة نشيطة في مساءلة الفساد، يقابلها تفاعل حكومي محدود، ما يقيّد الأثر الفعلي للرقابة البرلمانية.
- قراءة بحثية في أداء البرلمان
تندرج هذه الدراسة ضمن جهود المعهد المغربي لتحليل السياسات في تقييم السياسات العمومية.
اعتمدت الدراسة تحليل 200 سؤال برلماني مرتبط بالفساد خلال الولاية التشريعية (2021-2025)، من أصل أكثر من 58 ألف سؤال.
وكان الهدف من هذا التحليل، قياس حضور هذا الملف داخل العمل البرلماني وفعالية آليات الرقابة.
- العدالة والتنمية في الصدارة
تُظهر المعطيات أن المعارضة البرلمانية استحوذت على 58.5% من مجموع الأسئلة المرتبطة بالفساد، مقابل 40% للأغلبية و1.5% فقط لما يُعرف بالمساندة النقدية.
ويعكس هذا التوزيع تموقع المعارضة كفاعل رئيسي في مساءلة الحكومة حول قضايا الفساد.

وقد أظهرت الأرقام تعدد الفاعلين في إثارة الملف، لكن مع تفاوت واضح في مستويات الانخراط، وجاء توزيع الأسئلة على الكتل البرلمانية كالتالي :
- المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية في صدارة الفرق البرلمانية بنسبة 24.5%.
- فريق التجمع الوطني للأحرار (من الأغلبية) في المرتبة الثانية بنسبة 18%
- الفريق الاشتراكي–المعارضة الاتحادية بنسبة 9%
- فريق الأصالة والمعاصرة (من الأغلبية) بنسبة 8%
- البرلمانيون غير المنتسبين بنسبة 8%
- فريق التقدم والاشتراكية (7.5%)
- الفريق الحركي (6.5%)
- فريق الاتحاد العام للشغالين بالمغرب (5%)
وتبرز هذه المقارنة أن تصدر العدالة والتنمية لا يرتبط فقط بموقعه في المعارضة، بل أيضاً بكثافة توظيفه لآلية الأسئلة، خاصة الكتابية منها، مقارنة بباقي المكونات.
- الأسئلة الكتابية تعيد التوازن داخل البرلمان
اعتمدت المعارضة بشكل لافت على الأسئلة الكتابية، التي شكلت 60.5% من مجموع الأسئلة.وهو ما أتاح لها هامشاً أوسع للتحرك خارج قيود التمثيلية العددية التي تتحكم في توزيع الأسئلة الشفوية.
وقد مكّن هذا الخيار فرق المعارضة، وعلى رأسها العدالة والتنمية، من تعزيز حضورها الرقابي مقارنة ببعض مكونات الأغلبية.
- تفاعل حكومي محدود

في مقابل هذه الدينامية، تسجل الدراسة ضعفاً في تفاعل الحكومة، حيث لم تتم الإجابة عن 57.5% من الأسئلة المرتبطة بالفساد، مقابل 42.5% فقط تلقت ردوداً.
ويبرز هذا المعطى كأحد أهم معيقات فعالية الرقابة البرلمانية، إذ يحدّ من قدرة الأسئلة على تحقيق أثر ملموس في مساءلة السياسات العمومية.
كما يظهر أن هذا الضعف في التفاعل يكون أكثر وضوحاً في القضايا ذات الطابع الوطني، التي غالباً ما تثيرها المعارضة، مقارنة بالقضايا المحلية التي تسجل نسب تجاوب أفضل.
- رقابة نشيطة… بتأثير محدود
رغم تعدد المتدخلين، تُظهر المقارنة بين مكونات البرلمان أن المعارضة، وخاصة العدالة والتنمية، كانت الأكثر حضوراً في مساءلة الفساد، مقابل انخراط متفاوت لباقي الفرق، سواء من الأغلبية أو المعارضة.
غير أن هذا النشاط لا يوازيه تفاعل حكومي كافٍ، ما يجعل الرقابة البرلمانية أقرب إلى الطابع الإجرائي منها إلى التأثير الفعلي.
تقدم الدراسة صورة مركبة للعمل البرلماني في ملف الفساد :
- تعددية في الفاعلين، وتقدم واضح لبعض مكونات المعارضة، خاصة العدالة والتنمية، مقابل محدودية في تجاوب السلطة التنفيذية.
وفي ظل هذه المعادلة، يظل تطوير فعالية الرقابة رهيناً بتعزيز التفاعل الحكومي، بما يسمح بتحويل الأسئلة البرلمانية من مجرد أداة مساءلة إلى آلية تأثير حقيقي في السياسات العمومية.







