يسجل المشهد الأمريكي في السنوات الأخيرة تصاعداً ملحوظاً لخطاب ديني محافظ يتجاوز مجرد التعبير الإيماني التقليدي إلى محاولة إعادة صياغة الهوية السياسية والثقافية للولايات المتحدة على أساس ديني-حضاري. وفي هذا السياق يأتي تنظيم البيت الأبيض لصلاة جماعية ضخمة في قلب واشنطن، الأحد 17 ماي 2026، بمشاركة كبار مسؤولي إدارة الرئيس دونالد ترامب، تحت شعارات من قبيل “إعادة تكريس البلاد لله” و”استعادة الجذور المسيحية لأمريكا”، بما يمنح الحدث أبعاداً تتجاوز طقوس التعبد إلى رسائل سياسية واستراتيجية عميقة.
فالحدث لا يمكن عزله عن الصعود المتزايد لما يسمى “القومية المسيحية” داخل اليمين الأمريكي المحافظ، ولا عن التحولات الكبرى التي تعرفها الولايات المتحدة على مستوى الهوية والثقافة والديمغرافيا، كما لا يمكن فصله عن الاستعمال السياسي المكثف للدين في معارك الاستقطاب الداخلي بين المحافظين والليبراليين.
لكن خلف هذا الخطاب الديني تبرز أسئلة أكثر عمقاً وتعقيداً:
هل يتعلق الأمر فعلاً بمحاولة لإعادة الطابع الديني للحكم في أمريكا؟ أم أننا أمام توظيف سياسي للدين في سياق أزمة هوية يعيشها المجتمع الأمريكي؟ وهل تستطيع بنية الدولة الأمريكية الحديثة، القائمة على الليبرالية الدستورية والعلمانية المؤسساتية، أن تسمح أصلاً بقيام مشروع ذي مرجعية دينية حقيقية؟
ثم كيف يمكن فهم هذا الخطاب المسيحي المحافظ في ضوء دعم ترامب نفسه لما يسمى “الاتفاقات الإبراهيمية” ومشروع “الديانة الإبراهيمية” الذي يقوم، في جوهره، على تذويب الحدود العقدية الصلبة بين الأديان وإعادة توظيف الدين ضمن هندسة جيوسياسية جديدة؟ وهل نحن أمام عودة حقيقية للدين، أم أمام إعادة تشكيل وظيفي له بما يخدم الصراعات السياسية ومصالح النظام العالمي المعاصر؟
وهل تعكس هذه المظاهر بالفعل عودة المجتمع الأمريكي إلى المسيحية، أم أنها تعبير عن خوف قطاع من أمريكا البيضاء المحافظة من فقدان الهيمنة الثقافية والديمغرافية داخل مجتمع يتجه باطراد نحو مزيد من التعددية والتفكك الهوياتي؟
انطلاقاً من هذه الأسئلة، يصبح ضرورياً قراءة هذا الحدث قراءة نقدية تتجاوز الانفعال الإعلامي والسطحية السياسية، لفهم حدود المشروع الترامبي، والتناقضات العميقة التي تحكم العلاقة بين الدين والسياسة والهوية داخل الولايات المتحدة الأمريكية اليوم.
الفعالية الجماعية التي نظمها البيت الأبيض لا يمكن قراءتها فقط كخبر عن “صلاة جماعية” أو عودة الدين إلى المجال العام الأمريكي، بل يجب تفكيكها ضمن ثلاثة مستويات مترابطة:
- البنية العميقة للدولة الأمريكية الحديثة
- الاستعمال السياسي للدين داخل اليمين المحافظ الترامبي
- مشروع “الديانة الإبراهيمية” بوصفه إعادة هندسة دينية-جيوسياسية أكثر منه بعثا مسيحيا تقليديا
وسنعالج الأمر وفق هذه المستويات بمنهج نقدي صارم.

أولاً: هل يستطيع ترامب فعلاً “إعادة الطابع الديني للحكم” في أمريكا؟
الجواب المختصر: لا، بالمعنى البنيوي العميق للدولة الأمريكية.
ما يستطيع ترامب فعله هو:
- تعبئة القاعدة الإنجيلية المحافظة
- إعادة الرمزية الدينية إلى الخطاب السياسي
- توظيف المسيحية كهوية ثقافية قومية
- الضغط على القضاء والتعليم والسياسات الاجتماعية
- خلق “مناخ حضاري” محافظ
لكن تحويل أمريكا إلى “دولة دينية” أو حتى “دولة ذات مرجعية مسيحية صلبة” يكاد يكون مستحيلاً لأسباب بنيوية عميقة.
ثانياً: لماذا يبدو المشروع مستحيلاً بنيوياً؟
- الطبيعة التأسيسية للدولة الأمريكية
الولايات المتحدة لم تُبنَ كنظام ثيوقراطي، بل كنظام دستوري تعاقدي، ليبرالي فرداني، رأسمالي، مؤسساتي وقائم على فصل السلطات.
صحيح أن المجتمع الأمريكي كان متديناً تاريخياً، لكن الآباء المؤسسين أنفسهم تأثروا بفلسفة الأنوار والعقلانية الأوروبية والربوبية (Deism) والشك في سلطة الكنيسة.
لذلك فالدستور الأمريكي لا يمنح المسيحية أي وضع تأسيسي رسمي.
بل إن النص الدستوري نفسه صُمم لمنع تكرار النموذج الأوروبي القائم على التحالف بين العرش والكنيسة.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى:
ترامب يحاول استخدام لغة “العودة إلى الجذور المسيحية”، بينما الدولة الأمريكية الحديثة صُممت أصلاً لتحييد الدين مؤسساتياً.
- أمريكا اليوم ليست أمريكا القرن التاسع عشر
التحول الديمغرافي والثقافي يجعل أي مشروع “إعادة تنصير الدولة” شبه مستحيل.
أمريكا اليوم متعددة الأعراق، متعددة الأديان، متعددة الهويات، شديدة الفردانية، وعلمانية ثقافياً حتى عندما تبقى متدينة اجتماعياً.
هناك مسلمون، يهود، هندوس، لادينيون، ملحدون، ليبراليون ثقافياً، بالإضافة إلى أقليات جنسية وعرقية واسعة.
ولهذا فإن أي محاولة لجعل “الهوية المسيحية البيضاء” هوية الدولة ستُقرأ فوراً باعتبارها إقصاءً، وتفوقاً عرقياً مبطناً، وتهديداً للتعددية.
ولهذا تم انتقاد التجمع الديني الترامبي باعتباره تعبيراً عن “القومية المسيحية البيضاء”.
- الرأسمالية الأمريكية نفسها لا تريد دولة دينية حقيقية
وهذه نقطة غالباً ما يغفلها كثيرون.
النظام الأمريكي الحقيقي تحكمه الشركات العملاقة، و وول ستريت، والصناعات العسكرية، وشركات التكنولوجيا، وشبكات النفوذ الاقتصادي.
وهذه البنية تحتاج سوقاً مفتوحة، واستهلاكاً دائماً، وفردانية متحررة، ومرونة ثقافية، وعولمة اقتصادية.
أما الدولة الدينية الصلبة فتنتج قيوداً أخلاقية، وصدامات ثقافية، وانغلاقاً اجتماعياً، وتشريعات محافظة تعيق بعض ديناميات السوق.
ولهذا فإن “الدين” في أمريكا يُستخدم غالباً كأداة تعبئة انتخابية، لا كأساس حقيقي لإعادة بناء الدولة.
- المؤسسة الأمريكية أعمق من ترامب
حتى لو أراد ترامب الذهاب بعيداً، فهناك المحكمة العليا، والكونغرس، والولايات، والإعلام، والجامعات، والبيروقراطية الفيدرالية، وجماعات الضغط، والشركات الكبرى … وكلها تمنع أي تحول جذري نحو نموذج ديني.
لهذا فإن أقصى ما يمكن تحقيقه هو محافظة ثقافية نسبية، وتضييق على بعض القضايا الاجتماعية، وخطاب ديني قومي، وإعادة إنتاج “الرمزية المسيحية”. لكن ليس “حكماً دينياً”.
ثالثاً: ما الذي يريده ترامب فعلاً إذن؟
هنا يجب التفريق بين الدين كإيمان والدين كأداة هوية سياسية؟
ترامب ليس مشروعاً لاهوتياً بقدر ما هو مشروع قومي، شعبوي، هوياتي.
هو يوظف المسيحية الإنجلية باعتبارها كتلة انتخابية ضخمة، حاضنة تعبئة، أداة مواجهة لليسار الليبرالي، ورمزاً لأمريكا البيضاء المحافظة.
بمعنى آخر: المسيحية هنا ليست غاية، بل أداة في حرب الهوية داخل أمريكا.
ولهذا فإن الحدث المذكور يحمل بعداً رمزياً انتخابياً هائلاً: “نحن نمثل أمريكا الأصلية الحقيقية”.
رابعاً: التناقض الجوهري في الخطاب الترامبي
هنا نصل إلى أخطر نقطة.
“جماعة ترامب” تتحدث عن “إعادة تكريس البلاد لله”.
لكن: أي إله؟ وأي مسيحية؟ وأي قيم؟
ترامب نفسه يمثل نموذجاً يصعب اعتباره متوافقاً مع الأخلاق المسيحية التقليدية. فهو بالأحرى يمثل النزعة الاستهلاكية، والفردانية المتطرفة، والشعبوية، والخطاب العدائي، وتمجيد القوة، والبراغماتية الفجة.
بل إن “الترامبية” أقرب إلى قومية حضارية تستخدم الرموز المسيحية، لا إلى مشروع ديني أخلاقي حقيقي.
ولهذا يرى كثير من الباحثين أن “القومية المسيحية” في أمريكا ليست عودة للدين، بل: تسييس للهوية المسيحية في سياق صراع حضاري داخلي.
خامساً: ما علاقة هذا كله بـ “الديانة الإبراهيمية”؟
هنا ندخل إلى مستوى أكثر عمقاً وخطورة.
ما المقصود بالديانة الإبراهيمية؟
المقصود ليس مجرد الحوار بين الأديان. بل مشروع أوسع يقوم على تذويب الفوارق العقدية الكبرى، وخلق مظلة دينية-أخلاقية مشتركة، وإعادة تعريف الدين بوصفه أداة للتعايش العالمي، وتحييد المفاهيم العقائدية الصلبة، وإنتاج “دين عالمي مرن” متوافق مع العولمة.
وقد برز ذلك عبر اتفاقات أبراهام، والبيت الإبراهيمي في أبوظبي، وخطاب “التسامح الإبراهيمي”، وتوظيف اليهودية والمسيحية والإسلام ضمن سردية واحدة.
المفارقة الكبرى: ترامب يدعم الإنجيليين ويدعم المشروع الإبراهيمي معاً
وهنا يظهر التناقض البنيوي.
الإنجيلية المحافظة التقليدية تقوم على عقيدة خلاصية حصرية، ومركزية المسيح، ورفض التذويب العقائدي. بينما المشروع الإبراهيمي يتجه نحو تجاوز الحصرية الدينية، وتخفيف الصراعات العقدية، وبناء أخلاق كونية مشتركة. فكيف يجتمعان؟
الجواب: لأن ترامب لا يتحرك بمنطق لاهوتي، بل بمنطق جيوسياسي.
سادساً: “الإبراهيمية” في السياق الترامبي ليست مشروعاً روحياً بل هندسة سياسية
اتفاقات أبراهام مثلاً لم تكن مشروعاً دينياً حقيقياً، بل إعادة تشكيل الشرق الأوسط، ودمج دولة الاحتلال الإسرائيلي إقليمياً، وبناء محور جيوسياسي جديد، وخلق سردية سلام ديني تخدم التطبيع.
لذلك فإن “الإبراهيمية” هنا ليست عودة للوحي، بل: إعادة توظيف الرموز الدينية في خدمة نظام عالمي جديد.
سابعاً: التناقض النهائي الذي يكشف هشاشة المشروع كله
ترامب يقدم نفسه كحامٍ للمسيحية الأمريكية، وفي الوقت نفسه يدعم مشروعاً عابراً للأديان والهويات.
وهذا يكشف أن: الدين هنا ليس مرجعية نهائية، بل مادة سياسية مرنة قابلة لإعادة التشكيل.
ولهذا فإن الحديث عن “إعادة أمريكا إلى المسيحية” يبقى في الغالب خطاب تعبئة، وحنيناً هوياتياً، وأداة استقطاب انتخابي، ورد فعل على التحولات الثقافية والديمغرافية. وليس مشروعاً قابلاً للتحقق التاريخي الكامل.
الخلاصة
“الصلاة الجماعية الترامبية” مهمة رمزياً، لكنها لا تعني أن أمريكا تتجه نحو “حكم ديني”.
الأقرب إلى الواقع أن ترامب يوظف المسيحية كهوية سياسية قومية، والإنجيليون يوفرون له كتلة تعبئة استراتيجية، فيما المؤسسة الأمريكية تمنع أي تحول ثيوقراطي حقيقي والرأسمالية والعولمة تعارضان الدولة الدينية الصلبة، والإبراهيمية” ليست بعثاً دينياً بل إعادة هندسة جيوسياسية للدين.
لذلك فإن ما نشهده ليس “عودة الدين إلى الحكم” بل تحول الدين إلى أداة في الصراع الحضاري والهوياتي داخل النظام العالمي المعاصر.
*معالجة بالذكاء الاصطناعي لعدة متحويات من مصادر مختلفة







