تقرير أمريكي: المغرب يكسب معركة النفوذ في إفريقيا ويتفوق دبلوماسياً على الجزائر ويعاني من 6 نقط ضعف هيكلية 

وصف تقرير مركز الأبحاث ” ستيمسون” في واشنطن، المغرب بـ «قوة متوسطة متطورة»، تحتل موقعًا استراتيجيًا بين الفضاء الأطلسي والمتوسطي ومنطقة الساحل.

و أشار التقريرالصادر في 15 ماي 2026 ، إلى أن المغرب يعزز مكانته كقوة متوسطة ناشئة، مستفيدًا من تطويره الصناعي، دبلوماسيته النشطة، وتأثيره المتنامي في إفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط.

وحدد التقريرثلاث ديناميكيات متقاطعة لهذا الصعود : 

  • الأول : التحول الاقتصادي من خلال تجمعات تصدير السيارات والطيران والمعادن الحيوية المتكاملة.
  • الثاني :  إصلاح الحماية الاجتماعية بتوسيع التغطية الصحية.
  • الثالثة : إعادة التموضع الدبلوماسي بما في ذلك قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797 لعام 2025 بشأن الصحراء الغربية.

وأكد التقرير، أن المملكة تجاوزت دورها التقليدي لتصبح الآن فاعلًا إقليميًا نشطًا وركيزة مستقرة عند مفترق طرق أوروبا وإفريقيا.

وفقا للمركز الفكري، استغل المغرب موقعه الجغرافي واستقراره السياسي في عهد الملك محمد السادس لتسهيل التجارة والاستثمار والتعاون الأمني عبر القارات. 

وأشار إلى أن هذا التحوّل يستند إلى الاستقرار السياسي في ظل حكم الملك محمد السادس. وإلى استراتيجية مبنية على ما وصفه المحللون بـ “التعامل الاستراتيجي”. 

وأكد التقرير أن هذه الاستراتيجية الدبلوماسية، هي سياسة خارجية قائمة على توافق منضبط بين المصالح الدبلوماسية والاقتصادية، عبر التعاون في الأولويات المشتركة.

  • تفوق المغرب الهادئ على ملف الصحراء الكبرى

في قلب الجغرافيا السياسية والعلاقات الخارجية، تقع قضية الصحراء المغربية. 

واعتبر التقريرأن هذه القضية تمثل حجر الأساس في سياسة المغرب الخارجية، موضحا أن هذا الملف يشكل “تقريبا كل بعد” من مواقع المملكة الدبلوماسية.

وأشارإلى تعزيز المغرب لموقفه من خلال الاستثمارات في الأقاليم الجنوبية وافتتاح نحو 30 تمثيلية قنصلية أجنبية في العيون والداخلة.

وقال التقرير إن “جبهة البوليساريو لا تحتفظ بأي وجود إداري أو مدني داخل الصحراء الغربية”، وأن السكان المرتبطين بها “يقيمون في مخيمات قرب تندوف، الجزائر.”

وصنّف التقرير مبادرة الحكم الذاتي المغربية بأنها «جدية، وموثوقة، وواقعية»، مع إشارة إلى الدعم المتزايد من عدة دول إفريقية وعربية وغربية. 

كما أشار إلى قرار مجلس الأمن 2797 الصادر في أكتوبر 2025 الذي وضع إطارًا جديدًا للتفاوض حول الخطة المغربية للحكم الذاتي، مما عزز موقف المغرب على الساحة الدولية.

ووصف التقرير خطة الحكم الذاتي المغربية كأساس لحل النزاع، بأنه “أهم انتصار دبلوماسي متعدد الأطراف للرباط حتى الآن.” وأشار إلى أن جولات التفاوض جرت منذ ذلك الحين في مدريد وواشنطن ” تحت القيادة الأمريكية وتسهيل الأمم المتحدة.”. 

وأضاف التقرير أن المسؤولين التنفيذيين والكونغرس الأمريكيين “أبدوا مخاوف بشأن صلات البوليساريو بشبكات إرهابية إقليمية” وأنه “تم تقديم مشروع تشريع يدعو إلى تصنيف الجماعة كمنظمة إرهابية أجنبية.”

وأكد أن 22 دولة أفريقية أنشأت قنصليات في المناطق الجنوبية للمغرب. كما قام الملك محمد السادس بجولات واسعة عبر أفريقيا، ووقع اتفاقيات ثنائية عززت نفوذ المغرب وأقنعت عدة دول بسحب اعترافها بـ البوليساريو” .

وتناول التقرير الاعتراف الأمريكي في ديسمبر 2020 بسيادة المغرب على الصحراء الغربية. واصفًا  إياه بأنه “تحول جوهري عن الإجماع الدولي السابق.”

ويشير  التقرير أيضا إلى أن قرار إدارة بايدن بعدم التراجع عن الاعتراف، “يؤكد أن واشنطن اعتبرته قرارًا استراتيجيًا دائمًا” . 

أما الاتحاد الأوروبي، فقد أعلن في بيان موحد من جميع الدول الأعضاء الـ 27 أن “الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يمثل الحل الأكثر قابلية للتحقيق.”

  • عزلة الجزائر المتزايدة 

وأشار التقرير إلى أن المغرب يحافظ على مكاسب استراتيجية لا رجعة فيها، بينما تفقد الجزائر نفوذها على مختلف الجبهات المهمة. 

وأكد أن الجزائر أصبحت أكثر عزلة دبلوماسية خلال النزاع الطويل الممتد لعقود.

وأضاف التقرير أن التنافس بين المغرب والجزائر يعكس انعكاسات جيوسياسية استمرت لعقود. فالمغرب يحوّل براغماتيته إلى تفوق دبلوماسي، بينما تشهد الجزائر تراجع مكانتها الإقليمية.

وثق تقرير مركز “ستيمسون” قطع الجزائر للعلاقات الدبلوماسية مع المغرب في غشت 2021، وإغلاق مجالها الجوي أمام المغرب. 

كما رفضت الجزائر تجديد عقد خط أنابيب الغاز المغرب–أوروبا. مع المغرب، وفي سبتمبر 2024، فرضت متطلبات تأشيرة على المواطنين المغاربة.  

وأشار مؤلفو التقريرإلى أن المنافسة بين البلدين تشمل التنافس على النفوذ الإقليمي في إفريقيا، وتوجهات جيوسياسية متباينة، وسباق تسلح كبير.

خصص المغرب 13 مليار دولار لميزانية الدفاع لعام 2025، بينما وافقت الجزائر على مبلغ 25 مليار دولار.

حول معسكرات تندوف، ذكر التقرير أن “الجزائر رفضت إجراء تعداد مستقل للأمم المتحدة لعقود” وأن “جزءا كبيرا من سكان المخيم يحملون الجنسية الجزائرية.”

وأضاف أن “المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لم تتمكن أبدا من تسجيل السكان أو التحقق من حجمها”. مع ذلك، قدم التقرير ما يسميه “تفاؤلا حذرا بشأن إمكانية المصالحة.”

بعد القرار رقم 2797، وجه الملك محمد السادس “دعوة مفتوحة للرئيس الجزائري تبون لحوار صادق وأخوي.” 

وقد قدّر المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف علنا إمكانية إبرام صفقة خلال 60 يوما في أكتوبر 2025. غير أن التقرير أشار إلى أن الجدول الزمني “ثبت أنه غير واقعي” لكنه عكس “دفعا دبلوماسيا أمريكيا حقيقيا.” 

زار المستشار الأمريكي الكبير مسعد بولوس الجزائر في يوليوز 2025 وتم “استقباله بشكل جيد”، مما يشير إلى اهتمام الجزائر بالتواصل مع إدارة ترامب، وسط مخاوف من عقوبات CAATSA المحتملة لشراء الجزائر للأسلحة الروسية.”

وأكد التقرير أن المغرب دبر ائتلافًا أغلق عمليًا  جدل الصحراء الكبرى، تاركًا الجزائر بلا أوراق للعب ولا مكان للاختباء.

ولاحظ التقرير أن الجزائر “واجهت عزلة متزايدة في الساحل مع تدهور علاقاتها مع مالي وتحالف دول الساحل، بينما بقيت علاقات المغرب مع هذه الدول أقوى.”. 

وجادل مؤلفوا التقرير بأن المصالحة الناجحة “يمكن أن تدمج اقتصاد المغرب العربي الأوسع، وتقلل من الهجرة غير النظامية إلى أوروبا، وتوسع التعاون في مجال الطاقة، وتمكّن من تنسيق مكافحة الإرهاب بشكل أكثر فعالية في منطقة الساحل.”

  • دور دبلوماسي متزايد

على صعيد السياسة الخارجية، يوضح التقرير أن المغرب يقيم علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وعدد من الدول الإفريقية في مجالات مكافحة الإرهاب، والهجرة، والأمن الإقليمي في منطقة الساحل.

ويشير إلى أن المغرب يتمتع منذ 2008 بـ «الوضع المتقدم» مع الاتحاد الأوروبي، ويظل شريكًا أساسيًا في التعاون الطاقي والهجرة مع الدول الأوروبية. 

  • التحول الاقتصادي يدعم تموضع المغرب الدبلوماسي

قال التقرير إن المغرب تجاوز اعتماده التقليدي على الزراعة والسياحة، وأصبح مركزا صناعيا ولوجستيا متناميا مع نفوذ متزايد في الطاقة المتجددة والدبلوماسية الإقليمية.

وسلط الضوء على التوسع السريع في قطاعات السيارات والطيران والإلكترونيات وتصنيع البطاريات والتقنيات الخضراء في المغرب. 

وأضاف أن الشركات الدولية ترى بشكل متزايد أن البلاد في شمال أفريقيا قاعدة إنتاج تخدم الأسواق الأوروبية والأفريقية والشرق أوسطية.

تم تحديد صناعة السيارات في المغرب كواحدة من أكثر قطاعات التصدير تقدما في القارة، مدعومة بالبنية التحتية الحديثة، واتفاقيات التجارة الحرة، والقرب من أوروبا.

وأشار التقرير أيضا إلى طموحات البلاد في مجال الطاقة المتجددة، مشيرا إلى استثمارات كبيرة في مشاريع الطاقة الشمسية والرياح والهيدروجين الأخضر. 

وصف التقرير مجمع نور ورزازات الشمسي بأنه مشروع رائد يرمز إلى دفع المغرب ليصبح رائدا إقليميا في مجال الطاقة النظيفة ومورد مستقبلي للطاقة الخضراء لأوروبا.

في مجال اللوجستيات والتجارة، سلط المركز العلمي الضوء على طنجة البحر المتوسط كواحدة من أهم الأصول الاستراتيجية للمغرب. 

أصبح مجمع الميناء بوابة رئيسية تربط أوروبا وأفريقيا وطرق الشحن العالمية، مما ساعد في تسريع النمو الصناعي والصادرات.

وأشار التقرير أيضا إلى توسع الوجود الاقتصادي للمغرب في أفريقيا جنوب الصحراء من خلال الاستثمارات في مشاريع البنوك والاتصالات والبنية التحتية، واصفا الرباط كشريك متزايد الأهمية للدول الأفريقية.

كما أكد العلاقات المغربية مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي، لا خصوصا في مجالات مكافحة الإرهاب والهجرة والتعاون الأمني الإقليمي في منطقة الساحل.

قال التقرير إن المغرب عزز مكانته الدبلوماسية من خلال الاستثمار والشراكات الدولية في المحافظات الجنوبية. 

يصف نهج السياسة الخارجية للبلاد بأنه “المعاملة الاستراتيجية”، وهو إطار مبني على توافق منضبط بين المصالح. 

وبموجب هذا النموذج، تؤمن المملكة الدعم الدبلوماسي والاقتصادي مع تقديم التعاون في أولويات مشتركة تتراوح بين مكافحة الإرهاب وإدارة الهجرة وأمن الطاقة.

  •  نقاط الضعف الهيكلية 

لكن التقرير لفت إلى أن المغرب يواجه تحديات هيكلية، أبرزها الضغط على الموارد المائية، بطالة الشباب، والفوارق الاجتماعية، وتبرز أساسا  في جوانب : 

  • المياه : انخفضت موارد المياه للفرد من 2,560 متر مكعب في الستينيات إلى حوالي 565 مترًا مكعبًا، مما يضع المغرب بين أكثر الدول ضغوطًا مائية عالميًا ، مع استهلاك قطاع الفلاحة 85٪ من المياه.  تستهدف المملكة إنتاج 1.4 مليار متر مكعب من المياه المحلية سنويًا بحلول عام 2030. 
  • سوق العمل : بلغت نسبة البطالة 13.3٪ في عام 2024، مع تجاوز بطالة الشباب 35٪ في المدن، ومشاركة النساء في القوى العاملة عند 22٪، وهي من أدنى المعدلات عالميًا . كما يظل القطاع غير الرسمي مهيمنا مما يحد من نمو الإنتاجية ومداخيل الضرائب.
  • الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية : يستهدف نموذج التنمية لعام 2021 نموا شاملا حتى عام 2035. وبحلول عام 2024 كان 88٪ من السكان يحصلون على تغطية صحية أساسية.

كما ألغى المغرب معظم دعم الوقود واستبدل دعم غاز البوتان والسكر بتحويلات نقدية مباشرة مستهدفة للأسر ذات الدخل المنخفض.  

وأدخل إصلاح ضريبي للشركات بنظام يقلل العبء على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.

  • التعليم : أشار التقرير إلى أن أكثر من 40٪ من الأطفال في سن العاشرة لا يستطيعون قراءة وفهم نص بسيط، مستشهدا بدراسات البنك الدولي. 

و يؤدي الانقسام اللغوي بين التعليم الابتدائي باللغة العربية والتعليم الثانوي بالفرنسية إلى ارتفاع معدلات التسرب. 

  • التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي: أطلق المغرب خارطة طريق وطنية للذكاء الاصطناعي 2030، والتي من المتوقع أن توفر حوالي 240 ألف وظيفة رقمية وتضيف  حوالي 10 مليارات دولار في الناتج المحلي الإجمالي. 

كما شارك المغرب مع الولايات المتحدة في اعتماد أول قرار للأمم المتحدة بشأن الذكاء الاصطناعي بالإجماع في مارس 2024.

  • العلاقات الاقتصادية الدولية : يشكل الاتحاد الأوروبي حوالي 68٪ من صادرات المغرب ويظل أكبر مستثمر وداعم . 

في عام 2025، قدم حوالي 233 مليون يورو لدعم إصلاحات تشمل التنمية البشرية، والتحول الأخضر، والنمو الاقتصادي. 

كما توسعت شراكات المغرب مع دول الخليج، حيث تستثمر الإمارات في العقارات والموانئ والسياحة والطاقة المتجددة.

ورغم هذه التحديات، يرى التقرير أن المغرب يمتلك قدرة متزايدة على تحويل موقعه الجغرافي وشراكاته الدولية إلى أدوات دبلوماسية، واقتصادية، وصناعية،  تمكنه من تعزيز مكانته كفاعل محوري في التوازنات الإقليمية والقارية.

ويعتمد هذا التحول على توفير فرص عمل للشباب، التكيف مع التحديات المناخية، وسد الفجوة بين الطموح السياسي وتنفيذ المؤسسات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top