في المقاهي، داخل الحافلات، وحتى حول موائد العائلة، لم يعد الصمت استراحة عابرة بين الكلمات، بل صار لغة جديدة للعصر.
وجوه مضاءة بزرقة الهواتف، وأصابع تكتب أكثر مما يتحدث أصحابها، بينما تتراجع الأحاديث اليومية التي كانت تمنح البشر دفءَ وجودهم.
دراسة حديثة تدق ناقوس الخطر: الإنسان المعاصر يتكلم أقل من أي وقت مضى، والشباب هم الأكثر انسحاباً من العالم الشفهي نحو عزلة الشاشات.
بحسب دراسة أمريكية حديثة بعنوان “الانزلاق نحو الصمت”، أنجزها الباحثان Valeria Pfeifer وMatthias Mehl، فإن عدد الكلمات المنطوقة يومياً تراجع بشكل لافت خلال خمسة عشر عاماً، من نحو 16 ألف كلمة يومياً سنة 2005 إلى حوالي 12 ألفاً و700 كلمة سنة 2019.
واعتمد الباحثان على تحليل تسجيلات صوتية لـ 22 دراسة مختلفة شملت نحو 2200 مشارك تتراوح أعمارهم بين 10 و94 عاماً، من الولايات المتحدة وأوروبا وأستراليا والمكسيك. وكشفت النتائج أن البشر يخسرون في المتوسط 338 كلمة منطوقة كل يوم مقارنة بما كان عليه الوضع قبل عقد ونصف.
وترى الباحثة فاليريا بفيفر، في مقابلة مع مجلة Le Point، أن الأمر لا يتعلق فقط بتراجع الكلام، بل بتحول جذري في طبيعة التواصل الإنساني. وتوضح أن جزءاً كبيراً من الكلمات “لم يختفِ فعلياً، بل تحول من كلمات منطوقة إلى كلمات مكتوبة عبر الهواتف الذكية وتطبيقات التواصل الاجتماعي.
وتشير الدراسة إلى أن الشباب هم الأكثر تأثراً بهذه الظاهرة؛ إذ يفقد من هم دون 25 عاماً نحو 450 كلمة منطوقة سنوياً، مقابل حوالي 300 كلمة لدى الفئات الأكبر سناً. ويعزو الباحثون ذلك إلى الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا في الحياة اليومية، حيث أصبحت تطبيقات الهاتف تختصر حتى أبسط التفاعلات البشرية، من طلب القهوة إلى استدعاء سيارة أجرة.
ولا يتعلق التراجع – بحسب الدراسة – بالنقاشات العميقة فقط، بل أساساً بما يُعرف بـ“الأحاديث الهامشية“؛ تلك الجمل الصغيرة التي كانت تنسج خيوط الألفة بين الغرباء: سؤال عابر، تحية لبائع، أو حديث قصير مع سائق سيارة أجرة.
لكن الخطر، وفق الباحثين، لا يقف عند حدود اللغة، بل يمتد إلى الصحة النفسية والقدرات الإدراكية. بالمحادثات المباشرة، كما تقول بفيفر، تبني الثقة والروابط الاجتماعية، وتُنشّط ما يشبه “العضلة الاجتماعية“ لدى الإنسان. بينما تفتقر الرسائل النصية إلى نبرات الصوت وتعابير الوجه والإيماءات التي تمنح التواصل معناه الإنساني الكامل.
وتحذر الدراسة من أن استمرار هذا التراجع قد يقود إلى ضعف الروابط الاجتماعية وتراجع الشعور بالرفاه النفسي، خاصة مع تنامي أنماط التواصل الرقمي التي تُنتج – وفق أبحاث سابقة – علاقات أكثر هشاشة وأقل دفئاً عاطفياً.
في عالم يتقن فيه البشر الكتابة أكثر من الكلام، يبدو أن الإنسانية لا تفقد الكلمات فقط، بل تفقد شيئاً من قدرتها القديمة على الإصغاء والاقتراب أيضاً.
المصدر: مقابلة منشورة في مجلة Le Point







